|
بسم الله الرحمن الرحيم
( وأن ليس للإنسان إلا ماسعى وأن سعيه سوف يرى ) صدق الله العلي العظيم .
في نهايات العام 2006 وفي ظل انقسام سياسي وطائفي ومذهبي حاد في لبنان ، وفي وقت كانت أمتنا العربية والاسلامية تواجه تحديات جسام ، أبرزها رأب الصدع في صفوف أبنائها العرب والمسلمين ، أطلقنا حركة المجلس الاسلامي العربي كصوت توحيدي جامع ، مجلسا عربي الهوية واسلامي الاصل ، يدعو الى رفض الانقسام ونبذ الفرقة ، ويعمل على درء خطر الفتنة المذهبية البغيضة ، في لبنان ، كما في سائر الدول العربية .
لقد اجتمع نفر قليل من المؤمنين بربهم وبدينهم وبعروبتهم على هدف سام ، وشأن عظيم ، وتصدوا متسلحين بايمانهم ولا شيء سواه ، كل في مجاله لكل مظاهر الفرقة والتباعد ، سواء في المدرسة والجامعة ، أو في اماكن العمل والانتاج ، أو في البيوت والشوارع ، أو في المساجد واماكن العبادة ، أو في المنتديات وعلى المنابر . وعمل هؤلاء المؤمنين بكل جهد واخلاص لتجسيد معاني الآية الكريمة ( انما أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) ، والآية الكريمة ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ).
سرعان ما لاقت دعوتنا التوحيدية الصدى وقوبلت بالرضا والاستحسان في مجتمعنا المتعطش الى كلمة سواء تجمع ولا تفرق ، والى فعل خير يبلسم ولا يجرح . وكان تطور المجلس وتنامي حجمه لافتا خلال شهور قليلة . وما كاد يمر عام واحد حتى أصبح من الاطراف الاساسية في لبنان .
في العام الثاني من عمره بدأت أصداء المجلس وانجازاته تصل الى كل الدول العربية . فتلقينا عبر وسائل الاتصال المختلفة عشرات آلاف الرسائل المؤيدة والداعمة ، ما اكد للجميع أن انشاء المجلس كان بالفعل حاجة اسلامية عربية وخصوصا في أوساط الطائفة الشيعية على امتداد انتشارها في الدول العربية .
لقد شكل العيد الثاني للتأسيس في العاشر من تشرين الأول – أكتوبر 2008 ، محطة بارزة في تاريخنا الذي بات جزءا أساسيا من تاريخ أمتنا ، فكان الاحتفال بالذكرى مناسبة أثبت فيها المجلس حضوره الجماهيري عندما ضاق مكان الاحتفال بآلاف الحاضرين ، وشهد ممثلو المرجعيات الرسمية ، وممثلو الطوائف اللبنانية المختلفة ، ممن حضروا الاحتفال ، وكذلك شهدت الشخصيات العربية الحاضرة ، أن النفر القليل من الشباب والشابات الذين قام المجلس على سواعدهم ، تحول الى كرة ثلج تكبر مع كل حركة ، وباضطراد مستمر . من هنا قولي في بداية هذا اللقاء إننا أطلقنا حركة المجلس الاسلامي العربي ، فهو بالقول والفعل حركة دائمة لا تهدأ .
لقد قلنا في ذلك الاحتفال أننا وبعد أن أثبتنا وجودنا الفاعل في مجتمعنا وفي صفوف شعبنا ، أن العام التالي سيكون عام العروبة في لبنان ، بحيث نقيم عددا من المؤسسات اللازمة لدعوتنا التوحيدية الاسلامية العربية ، مثل التلفزيون العربي والمدرسة العربية والمستشفى العربي ، وتأمين النفط العربي ، والغذاء العربي ، الى آخره من متطلبات لمن يحتاجها ، وسنسعى الى تامينها من مال عربي صاف ومنزه عن أي غرض أجنبي ، للتأكيد على أن شيعة لبنان ، مثلهم مثل إخوانهم في كل الدول العربية هم جزء فاعل لا يتجزأ من النسيج الاسلامي العربي الواحد والموحد .
خلال العام الثالث كانت لنا خطوة نوعية متقدمة في اطلاق المقاومة الاسلامية العربية بهدف كسر احتكار الحق المقدس لامتنا في الدفاع عن وجودها وكرامتها ، في مواجهة الاعداء الخارجيين وهم كثر . وكذلك لكي لا يتحول حمل السلاح بغاية المقاومة الى مآرب أخرى تمس الداخل اللبناني أو العربي ، وتهدد الامن الوطني او القومي .
وعلى الرغم من أن آمالنا في مشروع عام العروبة لم تتحقق كاملة لاسباب مالية ، فاننا أنجزنا على الصعيد المادي الكثير الكثير ، فأمنا للمحتاجين من شعبنا الوقود العربي ، والمدفأة العربية ، واللوازم المدرسية العربية ، بالاضافة الى دفعات متتالية من المساعدات الغذائية الحيوية والادوية .
أيها الاخوة والاخوات
اذا أردنا أن نعدد الانجازات التي حققناها في السنوات الثلاث الماضية فإننا نبدأ من السياسة. فقد أوجد المجلس الاسلامي العربي خطا سياسيا شيعيا اسلاميا عربيا ولبنانيا ، يتميز بالاعتدال . فابتعدنا ، وأبعدنا شعبنا عن حالة الانقسام والاصطفاف المذهبي الحاد في لبنان ، وأسسنا على الصعيد الشيعي قوة ثالثة كسرت الاحتكار القائم منذ سنوات في بلدنا . وكرسنا المجلس كمرجعية شيعية لبنانية في البداية ، ثم تحولنا الى مرجعية شيعية عربية يتطلع اليها أبناء طائفتنا في كل الدول العربية .
على المستوى العربي أرسينا أسس خط سياسي يقوم على ثلاثة مبادىء رئيسية : الاول ، احترام خصوصية كل دولة عربية في تعاطيها مع أبنائها ، الى أي طائفة أو مذهب انتموا ، وتدبير شؤونها الداخلية بنفسها . والمبدأ الثاني ، التصدي بحزم لأية محاولة خارجية ، وخصوصا غير العربية ، للعبث بأمن اي دولة عربية . والمبدأ الثالث ، حث مكونات اي دولة عربية على التزام النظام العام ، واعتماد الحوار ، ولا شيء غير الحوار لنيل المطالب اذا وجدت ، والمساهمة الفعالة في مؤسسات الدولة والانصياع التام للقانون العام .
من وحي هذه المبادىء كان سلوكنا السياسي العملي . وقد شهدت دول عربية عدة بعض المشاكل والاضطرابات بين المواطنين الشيعة فيها وبين السلطات . فتدخلنا ايجابيا لتصويب الامور وعملنا مثلا على اقناع اخوتنا الشيعة في البحرين بضرورة اقامة الحوار مع حكومة جلالة الملك حمد بن خليفة ، الذي نحترمه ونقدره ، لمعالجة المشكلة وتحقيق المطالب ، انطلاقا من قناعتنا في المجلس الاسلامي العربي أن المسلمين في أي بلد هم جزء من نسيجه الوطني .
وتكرر الامر في الكويت مع اخواننا الشيعة هناك ، فكنا وساطة الخير التي نجحت والحمدلله باعادة الامور الى نصابها ، بان يسلك جميع المواطنين الكويتيين طريق الحوار مع حكومة سمو امير دولة الكويت الشيخ صباح الاحمد الصباح ، الذي نقدره ونحترمه أيضا ، لما فيه خير الجميع .
وعندما حصلت المشكلة مع بعض الاخوان الشيعة في المملكة العربية السعودية وجرى اعتقال عدد من المواطنين السعوديين ناشدنا خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي نثق بحكمته بالغ الثقة ، العفو عن هؤلاء ، كما ناشدنا اخوتنا أن يسلكوا درب المصالحة والحوار ورفع مظلوميتهم الى جلالة الملك والذي أثبت رحابة صدر كريمة ليس فقط تجاههم ، بل تجاه الكثيرين من عادوا المملكة في الداخل والخارج ، ونجحت سياسته الحكيمة أيما نجاح .
كذلك نحن الآن بصدد التوجه الى اخوتنا الشيعة في اليمن ، ليسلكوا طريق الحوار مع الحكومة ، وينبذوا العنف الذي لا يمكن أن يؤدي الى أية نتيجة ايجابية . وندعو الله عز وجل أن يهديهم ويوفقنا في دعوتنا لنحافظ على اليمن الشقيق سالما قويا .
لم يكن هذا النجاح السياسي ممكنا من دون خلفية ثقافية واضحة ، فاقمنا الندوات واللقاءات الحوارية التي ركزت على القيم التوحيدية في الاسلام ، وعلى كل العناصر الجامعة في ثقافتنا العربية التاريخية والمعاصرة . وقد رفد هذا العمل الثقافي ، نشاط دعوي ديني توحيدي حثيث ، من خلال اصدار الكتب والدراسات ، وتفعيل التعليم والتثقيف الديني في الحوزات التي نشرف عليها ، وكلها استمدت أسسها من كشف الزيف والتزوير في النصوص ، في ما خص التفريق بين مذاهب المسلمين ، السنة والشيعة . وقد بين هذا الجهد حقيقة أن الجميع يعبدون الهاً واحد ويطيعون رسولاً عربياً واحداً في سبيل رفعة شأن الاسلام والمسلمين ، في أمة عريية مسلمة ، أخرجها الله للناس خير أمة .
ولان هذا العمل الجهادي هو دأب متواصل لا يتوقف عبر الاجيال كانت للمجلس الاسلامي العربي مبادرات جريئة في التوجه نحو الناشئة ، فكانت دورات تحفيظ القرآن الكريم للصغار ، ذكورا واناثا ، واحتفالات التكليف الشرعي للبنات . ناهيك عن تأسيس الاندية الرياضية وخلافها مما يتوجب لمواكبة تطور ونمو الاجيال .
على المستوى الاجتماعي دأب المجلس الاسلامي العربي منذ تأسيسه على تنفيذ المهمة التي ارتضاها لنفسه ، اي اقامة جسر التواصل بين أهل الخير في كل الدول العربية ، وبين المحتاجين في لبنان . وقد نظمنا سلسلة حملات لتوزيع المساعدات التي وصلتنا من الاشقاء العرب ، وعملنا على تأمين المزيد منها في كل مناسبة ، ولا سيما في خلال شهر رمضان المبارك من كل عام ، أو في مواسم الدخول الى المدارس ، وفي فصول الشتاء القاسي في لبنان .
ايها الاخوة والاخوات
لم يكن طريق الانجازات سهلا أو مفروشا بالورود ، ولا يمكن الحديث عن هذه الانجازات من دون ذكر الصعوبات . ولبيان ذلك ينبغي التوقف عند طبيعة المجتمع الذي نعمل فيه ولاجله . فلبنان هو بلد التعدد والتنوع الديني والثقافي . تنوع شكل عبر تاريخ هذا البلد ثروة وغنى عندما توافق اللبنانيون وابتعدت عنهم ، أو أبعدوا أيادي التدخل الخارجي . ولكن هذا التنوع كان يتحول الى نقمة ولعنة في كل مرة اختلف فيها اللبنانيون وعملت قوى الخارج على استدراجهم فئات فئات للاصطفاف في محاور واحلاف اقليمية ودولية . هكذا كان الحال عندما أطلقنا حركتنا وأسسنا المجلس الاسلامي العربي . كان اللبنانيون منقسمين على أنفسهم ، والاحزاب والتيارات السياسية التي تقودهم تدين بالولاء للخارج ، وتستمد منه كل سبل الدعم المالي وغيره . وقد بلغ الانقسام حدًّا خطيرًّا فتحول الى صراع في الشارع والساحات ، والى فتنة دخلت الى كل حي وبيت .
في هذه الظروف عملنا على نبذ الفرقة وجمع الصفوف ولم الشمل , وفي هكذا بيئة جاهدنا لتوحيد كلمة المسلمين خصوصا تحت راية دينهم ، وجاهدنا لنضمهم الى اخوانهم من سائر اللبنانيين تحت راية علم لبنان وسلطة دولته ، ولا شيء غيرهما .
لقد كانت المهمة بالغة الصعوبة ولكننا أبينا أن نخرج عن مبادئنا الاسمية والعربية ، وظللنا تحت سقف القانون اللبناني الذي يحظر الارتباط أو الارتهان للخارج ، وبالتالي يحظر الارتباط بأية محاور اقليمية أو دولية .
حاربنا أصحاب الارتباطات الخارجية وصمدنا . وقاتلنا أصحاب النوايا التقسيمية وصمدنا . وأدينا رسالتنا تجاه ديننا وأمتنا دون خوف أو خجل . ورغم كل الضغوطات على أنواعها ، ورغم قلة الامكانات المالية خصوصا ، حافظنا على استقلاليتنا ، مجلسا اسلاميًّا عربيًّا لا يدين بالولاء الا لربه ورسوله وأمته .
لقد واجهنا خلال السنوات الثلاث الماضية ، وخصوصا في العام الاخير ، امتحانا قاسيا للغاية ، اذ تعرضنا لنوع من الحصار المالي ، وعانينا الكثير للحفاظ على استمرارية مؤسساتنا المختلفة ولا سيما منها التي تعنى بمساعدة المحتاجين ، أو التي تعنى بالشؤون الدينية ، نظرا لما تتطلبه من موازنات مالية لم تتوفر لنا . وقد وصل الامر حد التفكير باقفالها ، وبدأنا النقاش في المسألة داخل هيئات المجلس أولا ، ومن ثم عبر وسائل الاعلام .
ولكم كانت مفاجأتنا كبيرة عندما انهالت علينا الرسائل والاتصالات من مختلف الدول العربية ومن الجاليات العربية في اوروبا ، تشجعنا وتحثنا على عدم الاستسلام للواقع الصعب ، وتطالبنا بالاستمرار في حمل رسالة المجلس الاسلامي العربي الذي يجد فيه الاخوة العرب صوت الاعتدال الواجب المحافظة عليه بأي ثمن ومهما غلت التضحيات .
وعلى هذا الاساس قررنا الاستمرار في رسالتنا رغم الصعوبات المالية الكبيرة ، والتي نود لو يساهم الاخوة العرب في حلها ، ودعمنا بما يضمن حفظ هذه الرسالة والمضي بها بعيدا .
وماذا بعد ؟
انها الذكرى الثالثة وامامنا عام رابع من الجهاد والعمل .
لقد سبق ووعدنا ووفينا بالوعد . وعاهدنا وصدقنا العهد .
لقد قلنا في العام الماضي أننا بلغنا سن الرشد . وقد أثبتنا لكل لبناني ، ولكل عربي ، ولكل مسلم ، أننا فعلا تجاوزنا المرحلة التي تأتي فيه جهة غير عربية لتنصب نفسها وصية علينا .وعلى العكس من ذلك تماما ، فقد تحولنا ، كشيعة لبنانيين من تابع الى قائد ، ومن ضعيف الى قوي ، ومن فاقد الاهلية الى مرجعية اساسية للشيعة في هذه الامة .
لقد خرجنا من التقوقع في الاطار المذهبي الى رحاب الفضاء الاسلامي الواسع .
لقد خرجنا من زواريب السياسة اللبنانية الضيقة الى آفاق العروبة المفتوحة على كل الدنيا .
أيها الاخوة والاخوات
في العام الرابع الذي يبدأ هذه اللحظة ، نجدد الالتزام بعهدنا للامة بأننا سنبقى كما كنا يوم ولدتنا أمهاتنا ، مسلمين عربا أطهارا أحرارا . واننا سنبقى كحركة سياسية دينية ، كما كنا يوم أسسنا المجلس الاسلامي العربي ، عروبيين توحيديين ، أصلنا الاسلام وفرعنا العروبة .
ولاننا عاهدنا الله وعاهدنا أمتنا أن نظل على درب الاسلام والعروبة فاننا نعلن اعادة احياء مشروع عام العروبة في لبنان ، من خلال وضع خطة عمل متكاملة تقضي الى انشاء كل مندرجاته من مؤسسات ومشاريع سبق ذكرها . ولا سيما منها التلفزيون والمستشفى والمدرسة والجامعة والمكتبة ، باموال عربية ، سنعمل على تأمينها ، ولاهداف عربية خالصة سنسعى لتحقيقها .
ان درب الجهاد طويل ويحتاج الى عمل واخلاص كل فرد في المجلس الاسلامي العربي . وهذا وعد جديد لامتنا أننا لن نقصر ولن نتعب في تحقيق ذلك . وفي المقابل فان هذا الجهاد يحتاج الى دعم كل أبناء الامة ، قادة ودولا وشعوبا ، الدعم كل اشكال الدعم ، وخصوصا المساندة المالية.
وفي هذا المجال نضع أنفسنا بتصرف القيادات العربية ، نلتقي بها ونتشاور ونتحاور ونتناصح في افضل السبل لتحقيق أهدافنا العربية المشتركة . لذلك نجدد الدعوة لكل المعنيين بالشأن الاسلامي والعربي في الدول العربية ، لاستضافتنا والاستماع الى دعوانا ، ولهم منا جزيل الشكر .
اننا نناشد القادة العرب ، وكل أهل الخير في أمتنا ان يعينوننا في مهمتنا ، وأملنا كبير في استجابتهم ، لتبقى راية الاسلام العربي خفاقة فوق ارض لبنان وكل ارض عربية .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
القسم الاعلامي
المجلس الاسلامي العربي
|